فصل: قال القرطبي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال القرطبي:

{هذا ذِكْرٌ} بمعنى هذا ذكر جميل في الدنيا وشرف يذكرون به في الدنيا أبدًا.
{وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} أي لهم مع هذا الذكر الجميل في الدنيا حسن المرجع في القيامة.
ثم بيّن ذلك بقوله تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} والعدن في اللغة الإقامة؛ يقال: عدن بالمكان إذا أقام.
وقال عبد الله بن عمر: إن في الجنة قصرًا يقال له عَدْن حوله البروج والمروج فيه خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حِبَرَة لا يدخله إلا نبيّ أو صِدّيق أو شهيد.
{مُّفَتَّحَةً} حال {لَّهُمُ الأبواب} رفعت الأبواب لأنه اسم ما لم يسم فاعله.
قال الزجاج: أي مفتحة لهم الأبواب منها.
وقال الفرّاء: مفتحة لهم أبوابها.
وأجاز الفرّاء: {مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابَ} بالنصب.
قال الفرّاء: أي مفتحة الأبوابِ ثم جئت بالتنوين فنصبت.
وأنشد هو وسيبويه:
ونأخذُ بعدهُ بِذِنَابِ عَيْشٍ ** أَجبَّ الظَّهْرَ ليس له سَنَامُ

وإنما قال: {مُفَتَّحَةً} ولم يقل مفتوحة؛ لأنها تفتح لهم بالأمر لا بالمس.
قال الحسن: تُكلَّم: انفتحي فتنفتح انغلقي فتنغلق.
وقيل: تفتح لهم الملائكة الأبواب.
قوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا} هو حال قدمت على العامل فيها وهو قوله: {يَدْعُونَ فِيهَا} أي يدعون في الجنات متكئين فيها.
{بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ} أي بألوان الفواكه {وَشَرَابٍ} أي وشراب كثير فحذف لدلالة الكلام عليه.
قوله تعالى: {وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطرف} أي على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم وقد مضى في الصافات.
{أَتْرَابٌ} أي على سن واحد.
وميلاد امرأة واحدة، وقد تساوين في الحسن والشباب، بنات ثلاث وثلاثين سنة.
قال ابن عباس: يريد الآدميات.
و{أَتْرابٌ} جمع تِرْب وهو نعت لقاصرات؛ لأن {قاصِرَاتُ} نكرة وإن كان مضافًا إلى المعرفة.
والدليل على ذلك أن الألف واللام يدخلانه كما قال:
مِن القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ** من الذَّرِّ فوق الإِتْبِ مِنها لأَثَّرا

قوله تعالى: {هذا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحساب} أي هذا الجزاء الذي وعدتم به.
وقراءة العامة بالتاء أي ما توعدون أيها المؤمنون.
وقرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب بالياء على الخبر، وهي قراءة السُّلمي واختيار أبي عبيد وأبي حاتم؛ لقوله تعالى: {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} فهو خبر.
{لِيوْمِ الْحِسَابِ} أي في يوم الحساب، قال الأعشى:
المهِينِين مَا لَهُمْ لزمانِ السَّـ ** ـوءِ حتى إِذا أفاق أفاقوا

أي في زمان السوء.
قوله تعالى: {إِنَّ هذا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} دليل على أن نعيم الجنة دائم لا ينقطع؛ كما قال: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108] وقال: {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [الانشقاق: 25]. اهـ.

.قال الألوسي:

{هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49)} {هذا} إشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بمحاسنهم {ذُكِرَ} أي شرف لهم وشاع الذكر بهذا المعنى لأن الشرف يلزمه الشهرة والذكر بين الناس فتجوز به عنه بعلاقة اللزوم، والمراد في ذكر قصصهم وتنويه الله تعالى بهم شرف عظيم لهم أو المعنى هذا المذكور من الآيات نوع من الذكر الذي هو القرآن، وذكر ذلك للانتقال من نوع من الكلام إلى آخر كما يقول الجاحظ في كتبه: فهذا باب ثم شرع في باب آخر ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر: هذا وكان كيت وكيت، ويحذف على ما قيل الخبر في مثل ذلك كثيرًا وعليه {هذا وَإِنَّ للطاغين لَشَرَّ مَئَابٍ} [ص: 55] وستسمع إن شاء الله تعالى الكلام فيه فلا يقال: إنه لا فائدة فيه لأنه معلوم أنه من القرآن.
وقال ابن عباس: هذا ذكر من مضي من الأنبياء عليهم السلام، وقوله تعالى: {هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ} أي مرجع شروع في بيان أجرهم الجزيل في الآجل بعد بيان ذكرهم الجميل في العاجل، والمراد بالمتقين إما الجنس وهم داخلون فيه دخولًا أوليًا وإما نفس المذكورين عبر عنهم بذلك مدحًا لهم بالتقوى التي هي الغاية القصوى في الكمال، والجلمة فيما أرى عطف على الجملة قبلها كأنه قيل: هذا شرف لهم في الدنيا وإن لهم ولأضرابهم أو إن لهم في الآخرة لحسن مآب أو هي من قبيل عطف القصة على القصة، وقال الشهاب الخفاجي عليه الرحمة: هي حالية ولم يبين صاحب الحال، ويبعد أن يكون {ذِكْرًا} لأنه نكرة متقدمة وأن يكون {هذا} لأنه مبتدأ ومع ذلك في المعنى على تقدير الحالية خفاء.
وقال بعض أجلة المعاصرين: إنه أراد أن الكلام على معنى والحال كذا أي الأمر والشأن كذا ولم يرد أن الجملة حال بالمعنى المعروف الذي يقتضي ذا حال وعاملا في الحال إلى غير ذلك وادعى أن الأمر كذلك في كل جملة يقال إنها حال وليس فيها ضمير يعود على ما قبلها نحو جاء زيد والشمس طالعة وقال: إنه الذي ينبغي أن يعول عليه وإن لم يذكره النحويون اه، والحال لا يخفي على ذي تمييز، وإضافة {حُسْنُ} إلى {مَئَابٍ} من إضافة الصفة إلى الموصوف إما بتأويل مآب ذي حسن أو حسن وأما بدونه قصدًا للمبالغة.
{جنات عَدْنٍ} بدل اشتمال، وجوز أن يكون نصبًا على المدح، وجعله الزمخشري عطف بيان لحسن مآب، وعدن قيل من الإعلام الغالبة غلبة تقديرية ولزوم الإضافة فيها أو تعريفها باللام أغلبي كما صرح به ابن مالك في التسهيل، وجنات عدن كمدينة طيبة لا كإنسان زيد فإنه قبيح، وقيل العلم مجموع {جنات عَدْنٍ} وهو أيضًا من غير الغالب لأن المراد من الإضافة التي تعوضها العلم بالغلبة إضافة تفيده تعريفًا، وعلى القولين هو معين فيصلح للسان لكن تعقب ذلك أبو حيان بأن للنحويين في عطف البيان مذهبين، أحدهما أن ذلك لا يكون إلا في المعارف فلا يكون عطف البيان إلا تابعًا لمعرفة وهو مذهب البصريين، والثاني أنه يجوز أن يكون في النكرات فيكون عطف البيان تابعًا لنكرة كما تكون المعرفة فيه تابعة لمعرفة وهذا مذهب الكوفيين وتبعهم الفارسي؛ وأما تخالفهما في التنكير والتعريف فلم يذهب إليه أحد سوى الزمخشري كما قد صرح به ابن مالك في التسهيل فهو بناء للأمر على مذهبه.
وذهب آخرون أن عدنا مصدر عدن بمكان كذا استقر، ومنه المعدن لمستقر الجواهر ولا علمية ولا نقل هناك ومعنى {جنات عَدْنٍ} جنات استقرار وثبات فإن كان عطف بيان فهو على مذهب الكوفيين والفارسي.
ومن الغريب ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال: سألت كعبًا عن قوله تعالى: {جنات عَدْنٍ} فقال: جنات كروم وأعناب بالسريانية، وفي تفسير ابن جرير أنه بالرومية، وقوله تعالى: {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الابواب} إما صفة لجنات عدن وإليه ذهب ابن اسحق وتبعه ابن عطية أو حال من ضميرها المستتر في خبر إن والعامل فيه الاستقرار المقدر أو نفس الظرف لتضمنه معناه ونيابته عنه وإليه ذهب الزمخشري ومختصر وكلامه أو حال من ضميرها المحذوف مع العامل لدلالة المعنى عليه والتقدير يدخلونها مفتحة وإليه ذهب الحوفي، و{الابواب} نائب فاعل {مُّفَتَّحَةً} عند الجمهور والرابط العائد على الجنات محذوف تقديره الأبواب منها، واكتفى الكوفيون عن ذلك بأل لقيامها مقام الضمير فكأنه قيل: مفتحة لهم أبوابها، وذهب أبو على إلى أن نائب فاعل {مُّفَتَّحَةً} ضمير الجنات والأبواب بدل منه بدل اشتمال كما هو ظاهر كلام الزمخشري، ولا يصح أن يكون بدل بعض من كل لأن أبواب الجنات ليست بعضًا من الجنات على ما قال أبو حيان.
وقرأ زيد بن علي، وعبد الله بن رفيع وأبو حيوة {جنات عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً} برفعهما على أنهما خبران لمحذوف أي هو أي المآب جنات عدن مفتحة لهم أبوابه أو هو جنات عدن هي مفتحة لهم أبوابها أو على أنهما مبتدأ وخبر.
ووجه ارتباط الجملة بما قبلها انها مفسرة لحسن المآب لأن محصلها جنات أبوابها فتحت أكرامًا لهم أو هي معترضة.
{مُّتَّكِئِينَ فِيهَا} وقوله سبحانه: {يَدْعُونَ فِيهَا بفاكهة كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ} قيل حالان من ضمير {لَهُمْ} وهما حالان مقدران لأن الاتكاء وما بعده ليس في حال تفتيح الأبواب بل بعده، وقيل: الأول حال مقدرة من الضمير المذكور الثاني حال من ضمير متكئين، وجوز جعلهما حالين من المتقين، ولا يصح إلا إن قلنا بأن الفاصل ليس بأجنبي والظاهر أنه أجنبي، وقال بعض الأجلة: الأظهر أن {مُتَّكِئِينَ} حال من ضمير {يَدَّعُونَ} قدم رعاية للفاصلة ويدعون استئناف لبيان حالهم كأنه قيل ما حالهم بعد دخولها؟ فقيل: يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب متكئين فيها، والاقتصار على الفاكهة للإيذان بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ دون التعدي فإنه لتحصيل بدل ولا تحلل ثمت ولما كانت الفاكهة تتنوع وصفها سبحانه بالكثرة وكثرتها باختلاف أنواعها وكثرة كل نوع منها، ولما كان الشراب نوعًا واحدًا وهو الخمر افرد، وقيل: وصفت الفاكهة بالكثرة ولم يوصف الشراب للإيذان بأنه يكون على الشراب نقل كثير سواء تعددت أنواعه أم اتحدت، ويمكن أن يقال والله تعالى أعلم: التقدير وشراب كثير لكن حذفت كثير لدلالة ما قبل ورعاية للفاصلة.
{وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف} أي على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم أو قاصرات طرف أزواجهن عليهن فلا ينظرون إلى غيرهن لشدة حسنهن، وتمام الكلام قد مر وحلا {أَتْرَابٌ} أي لذات على سن واحدة تشبيهًا في التساوي والتماثل بالترائب التي هي ضلوع الصدر أو لسقوطهن معا على الأرض حين الولادة ومسهن ترابها فكأن الترب بمعنى المتارب كالمثل بمعنى المماثل، والظاهر أن هذا الوصف بينهن فيكون في ذلك إشارة إلى محبة بعضهن لبعض وتصادقهن فيما بينهن فإن النساء الأتراب يتحابين ويتصادقن وفي ذلك راحة عظيمة لأزواجهن كما أن في تباغض الضرائر نصبًا عظيمًا وخطبًا جسيمًا لهم، وقد جرب ذلك وصح نسأل الله تعالى العفو والعافية.
وقيل: إن ذلك بينهن وبين أزواجهن أي أن اسنانهن كأسنانهم ليحصل كمال التحاب، ورجح بأن اهتمام الرجل بحصول المحبة بينه وبين زوجته أشد من اهتمامه بحصولها بين زوجاته، وفيه توقف، ثم أن الوصف الأول على المعنى الأول متكفل بالدلالة على محبتهن لأزواجهن وعلى المعنى الثاني متكفل بالدلالة على محبة أزواجهن لهن وإذا حصلت المحبة من طرف فالغالب حصولها من الطرف الآخر، وقد قيل: من القلب إلى القلب سبيل والأمر في الشاهد أن كون الزوجات أصغر من الأزواج أحب لهم لا التساوي، واختار بعضهم كون ذلك بينهن وبين أزواجهن ويلزم منه مساواة بعضهن لبعض وهذا إذا كان المراد بقوله تعالى: {وَعِندَهُ} الخ وعند كل واحد منهم ولو كان المراد وعند مجموعهم وكان الجمع موزعًا بأن يكون لكل واحد واحد من أهل الجنة واحدة واحدة من قصارات الطرف الأتراب كان اعتبار كون الوصف بينهن وبين الأزواج كالمتعين لكن هذا الفرض خلاف ما نطقت به الأخبار سواء قلنا بما روي عن ابن عباس من أن الآية في الآدميات أو قلنا بما قاله صاحب الفينان من أنها في الحور، وقيل بناء على ما هو الظاهر في الوصف إن التساوي في الأعمار بين الحور وبين نساء الجنة فالآية فيهما.
{هذا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحساب} أي لأجل يوم الحساب فإن ما وعدوه لأجل طاعتهم وأعمالهم الصالحة وهي تظهر بالحساب فجعل كأنه علة لتوقف إنجاز الوعد فالنسبة لليوم والحساب مجازية، وجوز أن يكون اللام بمعنى بعد كما في كتب لخمس خلون من جمادي الآخرة مثلًا وهو أقل مؤونة.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {يُوعَدُونَ} بياء الغيبة وعلى قراءة الجمهور بتاء الخطاب فيها التفات.
{إِنَّ هَذَا} أي ما ذكر من ألوان النعم والكرامات {لَرِزْقُنَا} أعطيناكموه {مَالَهُ مِنْ} انقطاع أبدا. اهـ.